المتابعون
الاثنين، 27 يناير 2014
الثلاثاء، 14 يناير 2014
كابوس قتل العمد
حسين سونة نشر في الشرق المغربية يوم 16 - 01 - 2012
جريمة القتل العمد ظاهرة خطيرة، اتسعت بالمدن المغربية بشكل ملفت في الآونة الأخيرة، ففي الوقت الذي يتفق فيه الجميع بوجود صحوة دينية، وانتشار الوعي في المجتمع، توجد أماكن شبه خاصة لفئة اجتماعية من المنحرفين وجدت فيها ضالتها ومارست جرائم متنوعة ضد مواطنين أبرياء، وأفسدت علاقات الناس ، وأخلّت بالتماسك الذي بينهم وقد تضايق الكثير لكونهم أصبحوا غير مؤمنين فيما يملكون وما يعزون وحتى في حقهم في الحياة ، كما اعتبرها البعض لا تعدو أن تكون ظاهرة متفشية بين صفوف المجرمين الذين ينظرون إليها على أنها أفعال بطولية ، والواقع أنها مست الجميع، فأصبحت هذه المشكلة من أبرز المشاكل التي تعرف توسعا أكبر وربما ستتعاظم أكثر في غياب مشروع مجتمعي متكامل ، والخطير أن انتشار هذه الجرائم وتنوعها يوسع الهوة بين المجرم والمواطن ، فينمو الحقد والكراهية ويتعقد الوضع بسبب التأثير المتبادل ، فالقتل العمد أكبر الجرائم الذي يجعل المواطن حبيس هواجس التفكير في القتل واتساعه .
فعندما يسمع الإنسان جريمة قتل ينتابه إحساس الخوف لأنه معني بالأمر رغم بعده عن هذا الحدث ، فالخوف من الجريمة ومن انتشارها، يجعلانه يدرك أن ذلك سيؤدي حتما إلى دخوله في محيطها ولن يسلم من تبعاتها ، ويتوالى الخوف فيجد نفسه مهووسا بأمور كثيرة تشغله عن إنجاز أعماله والتمتع بحياته كما يريد ، وأول ما يفكر فيه هو طريقة القتل ودوافعها أي قتل العمد ، يعني أن المقتول خرج ليعود بعد قضاء أغراضه سالما ، فوقع ما لم يكن في الحسبان، وتكرار نفس الجرائم لاحقا يجد هذا الإنسان نفسه متعودا لا يبالي بمثل هذه الأحداث ولا يهتم بها ، ومع ذلك يستمر هاجس الخوف الذي يعم البلاد والعباد .
هذا بالنسبة للذين لا يريدون بمثل هذه الأحداث ولا يقبلون بها ، فما بالك بالأشخاص المنحرفين التائهين المتسكعين في الشوارع بلا رقيب ولا حسيب ، ولا مأوى لهم ولا من يعطف عليهم ، وقد تعرضوا لإهانات أو شعروا بالظلم وبعدم المساواة وبالإهمال وكراهية الآخرين لهم ، وهم يتمتعون بحرية كاملة في تعاطي المخدرات والخمور ليل نهار ، حاملين السلاح الأبيض يلوحون به أمام الملإ ، في غياب الزجر والأمن ، لذلك تظهر عليهم علامات العدوانية تصل إلى درجة القتل لتثبيت قدرتهم على الفعل وتأكيد الذات ، وإذا كانت جريمة القتل العمد هي أكبر الجرائم فلأن هناك جرائم دونها لا تقل خطورة من مختلف أطياف المجتمع قد تكون وراء تلك الأفعال الانتقامية .
إن هذه الفئة من المجتمع كانت إلى حد قريب سوية مسالمة تطمح إلى ما يطمح إليه الجميع ، لكن قصتها مع بيئة معينة، وبرامج تربوية غير هادفة ووضعية اقتصادية هشة وفوارق اجتماعية شاسعة ، ذلك أنها لم تشعر في وقت من الأوقات باهتمام لا داخل الأسرة ولا داخل المدرسة ولا بينهما بذلك الرفق الأبوي والإداري والمراقبة التربوية والجو الترفيهي الذي يكسبها حب الجميع والعطف على الكل . فتاهت وابتليت بالمخدرات والخمور وهي في كامل قواها العقلية، ومارست مهنا شاقة وهي في عنفوان مرحلة طفولتها ، ورمتها الأسرة وهي لا تزال في أمس من يحتضنها ، ثم انحرفت ولم تكن منحرفة ، واقتتلت وقتلت ولم تكن كذلك. ولم تجد من ينقذها ولا من يرشدها ، بل ظلت مهمشة ومحرومة من أبسط الحقوق . وهكذا ابتعدت هذه الفئة عن المألوف وتحولت إلى عنصر شغب وقتل، فأصبحت عالة على المجتمع حيث اعوج سلوكها وتطورت أخلاقها في الاتجاه المعاكس، والعجيب مع ذلك أنها اندمجت في المجتمع وتآلفت معه لتفاجئه يوما ما بأفعالها الإجرامية ، فيباغت الناس فجأة بجريمة قتل في أمسية خمرية أو في واضحة النهار ، ويستمر الوضع على حاله حيث يتزايد المجرمون وتكثر الجرائم ولا من يفكر في علاجه ، فالمشكل خطير ، ولا شك أن الكل يدرك ذلك ، وهذا ما يستدعي التدخل العاجل لحماية المواطن من جهة وإيقاف الانحراف وإنقاذ ما يمكن إنقاذه .
وقد لا توجد جهة مسؤولة على هذا الوضع أكثر من وزارة التربية والتعليم التي غيبت في ميثاقها مجموعة من الأسس التربوية، ونهجت سياسة الكيل بمكيالين ،أي تربية واقتصاد ، بحيث أصبح التلميذ مستهلكا للكتب المدرسية بدون قراءة ولا فائدة تعليمية واضحة مما يجعل فئة من التلاميذ تنقطع مبكرا بسبب العجز المادي وتتجه نحو الانحراف ، وتصدر الوزارة في كل سنة مذكرة لإرجاع المنقطعين والمطرودين ليؤثروا سلبا على المتمدرسين الآخرين ، ناهيك عن القرارات المستعجلة مثل مشروع الإدماج بدون مراجع والمنسوب لرجل التربية البلجيكي –غزافي- أو مدرسة النجاح المكلفة أكثر من المفيدة وكأن ذلك تم فقط لتدبير ميزانية فائضة ، لذلك فإن سبب الجريمة يتجلى بالأساس في السياسة التعليمية المنتهجة وفي البرامج المقررة والمناهج وضعف الاهتمام بالطفولة سواء في المدرسة أو خارجها ، ثم عدم تفعيل القانون من جهة أخرى، إضافة إلى قوانين حقوق الإنسان المضرة للإنسان نفسه في حالات معينة، لأن ما أوصل بعض الأشخاص لهذه الجرأة هو مجموعة من الحقوق التي تجعل المجرم في مأمن من كل خرق لحريته وكرامته ، فإذا كانت جرأة القتل تأتي لانحراف سلوكي أو لانعدام الوازع الديني فذلك ما تتحمله منظومتنا التربوية المغيبة للقيم الوطنية الهامة ، وإذا كانت الجريمة وليدة ظروف اقتصادية كالفقر والبطالة فما رفع من خطرها وأعطى لها سندا هو السلوك التربوي المكتسب من التربية في المؤسسات التعليمية حيث يتم تطوير سلوك الفرد في غياب قناعة تربوية مبنية على قاعدة الهوية والقيم الوطنية ، كغياب الاهتمام بالجانب الروحي رغم وجود مقرر محتشم .
إن مخطط التربية والتعليم يجب أن يستهدف الطفل من واقعه وبيئته وقيمه ليجعل منه مواطنا صالحا وشخصية اجتماعية قوية تتعامل مع الآخر بصدق وثقة متبادلة ومتشبثة بالقيم الوطنية والدينية وتساهم في بناء الدولة والرقي بها والدفاع عنها والحفاظ على مكتسباتها واختيار الأصلح والأهم وتجنب ما لا ينفع أو يضر ، وفي ذلك تجنب الانحرافات التي تضر بالفرد والمجتمع وقد لا يكتشفها إلا الساهر على التربية وهذا ما يفرض على المربي الحذر والحيطة من التربية المستوردة التي تساهم في كثير من الانحرافات ، وخاصة عندما تنتشر "السيبة" في البلاد ويغيب الأمن ولا قدرة للمواطن على التدخل والاحتجاج .
إن واضعي برامج التربية والتعليم يتحملون مسؤولية أي خلل في المنظومة التربوية التي من شأنها أن تكسب التلميذ سلوكا ما يكون سببا في انحرافه كضعف الوازع الديني لدى المتعلم الذي يتحول إلى مجرم يوما ما أو يصاب بالشذوذ الجنسي ، أو يدعو إلى الإفطار علنا في رمضان ، أو حرق جسده ، لأنه لم يتلق تكوينا دينيا ولا علم بمخاطر وتبعات الجريمة ، لذلك فإن الوضع خطير يتطلب وقفة تأمل كبيرة والعمل على بناء نظام تربوي تتحمل فيه الأسرة كامل مسؤوليتها وعقوبة انفلات ابنها خارج المحيط المدرسي ثم وزارة التعليم على أساس الوضوح في البرامج والمناهج والاقتصار على ما هو أساسي وخاصة أثناء مرحلة التعليم الأساسي ، وقد يكون الانطلاق من كون التربية علم وسلوك ومبادئ ومحافظة على قيم مهما بلغت الدراسات وتحققت النتائج ، فالتربية والتعليم يجب أن تتضمن قواعد القيم الوطنية للبلد ولا يسمح لواضعي الميثاق التربوي أن يخرجوا عن ذلك قيد أنملة ولا يخافون لوم أحد مهما بلغت التربية خارج الوطن انطلاقا من خصوصية البلد ، أما التعاون مع الغير فلا عيب والاحتراز أولى ، واستيراد منظومة تربوية خلل كبير وتربية مبتورة تنتج مواطنا مبتورا وربما هذا ما حصل في مجتمعنا حيث يلاحظ نقص الوعي وضعف التعلم وقلة التواصل وانتشار الجريمة ، فما نرى غير أطفال الشيفون المبلل وآخرون تائهين في الشوارع يتعلمون السرقة ، وهذا ربما ما يخطط له الكفار لتدمير الأمة الإسلامية .
إن توفير حق الإنسان أولا ضروري لتطبيق حقوق الإنسان ، لكن في دولة لها خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية تعكس صعوبة التمتع حتى بما هو ضروري للبقاء ومصارعة الحياة ، فالشغل غير متوفر ، والبطالة غير مؤدى عنها كما هو مقرر في الغرب الذي أملى علينا شروطه بعدما بنى قواعد اقتصاده على سلب مواردنا ووفر كل مستلزمات الحياة وأساسها الشغل ، وارتفع مستوى العيش إلى أعلى درجاته ففاضت الحرية والكرامة عندهم فطالبونا بالتمتع بها حتى يضمنوا تبعية اقتصادنا لهم دون أن ينسوا من حين لآخر منحنا هبة عندما يشعرون بتوعيتنا تجاه مصالحنا ، وهي هبة أقل ما يقال عنها أنها هبة مسمومة قد تحمل معها ما لا طاقة لنا به .
يبدو أن ما نحن عليه الآن من برامج تربوية ومقررات وحقوق الإنسان وتشريعات مستعجلة ، كل ذلك أبان عن الفشل الكامل للميثاق التربوي، بحيث ظهرت العيوب والنتائج السلبية والعكسية ما دام انتشار الجريمة في تزايد والتعليم في تدهور والتوعية محدودة ، وما يعزز هذا تذمر الناس من كل مظاهر الحياة المرتبطة أساسا بالمنظومة التربوية التي من المنتظر أن تنتج مواطنا صالحا ، فماذا يقول المسئولون عن التربية عندما تكثر الجرائم وتتنوع وتتعدد وينخفض مستوى التعليم وتتفشى في المجتمع كل أنواع الرذيلة .
وهكذا فإننا بلا شك في حاجة إلى تأسيس لمشروع تربوي قار كما بين السماء والأرض حيث قوانين منذ الأزل لم تتغير ولن تتغير وكل شيء على ما يرام وبانتظام ، سبحان خالق الكون ، ألا يمكن تطبيق نظام تربوي تعليمي قار بالبلاد بعيدا عن السياسة والتقليد والمزايدات ودعوات النقد ، والكل فيه مجاني ومضبوط بالقوانين والزجر ، ميثاق تربوي متكامل وواضح يكون قاعدة لانطلاق قاطرة التنمية من جميع جوانبها خالية من الإجرام والمجرمين ، تنسجم فيه الأمة بتكوين مواطن بمواصفات دقيقة ، مواصفات تنتقل كالإرث من هذا إلى الآخر ، تظهر فيه التربية كنظام اجتماعي تجتهد فيه المدرسة والأسرة والمجتمع المدني لتربية النشء عقليا وأخلاقيا ليتمكن من القيام بدوره في المجتمع بكامل الانسجام بين أفراده ويكون خير خلف لخير سلف .
حسين سونة
الأسس في بعث هواية القراءة
حسين سونة نشر في الشرق المغربية يوم 28 - 07 - 2011
قرأت باهتمام مقالا للكاتب محمد المستاري المنشور بجريدة الشرق الآن بتاريخ :25/07/2011 تحت عنوان : أي سر وراء أزمة القراءة بالمغرب ؟ وردا على صاحب المقال مشكورا لاهتمامه البالغ وإحاطته بجوانب من أزمة القراءة ...إن ارتفاع سعر الكتاب وانخفاض الدخل الفردي للقارئ لا يبدو سببا رئيسيا كما في اعتقادي لأن أزمة القراءة عمت العالم العربي وليس فقط المغرب حيث يلاحظ هنا بالخصوص أن المواطن المغربي يقبل على شراء أواني منزلية بأسعار خيالية ولا يستعملها إلا للتباهي وفي المناسبات النادرة فأصبحت مع الأسف تمثل قيمة كبرى له، في حين تراجعت قيمة الكتاب ، بل إن شباب اليوم ينفق بسخاء كبير أموالا طائلة في شراء الهاتف النقال التي يستبدلها كلما ظهر نوع جديد أو دعت الضرورة لذلك ، إضافة إلى أمور تافهة كتبذير المال في شراء الدراجات النارية الفاخرة ، أو الحضور المكثف لمهرجانات التسلية ، أما سعر الكتاب يستعمل لتبرير ما ...
لكل هذا أرى أن أزمة القراءة هي في واقع الأمر أعمق مما نعتقد وهي في الغالب نتيجة انحطاط فكري وثقافي ، وأخلاقي لضياع الوقت والمال في أمور تافهة ، فأصبحت القراءة غير ذي جدوى عند الفرد العادي كما المثقف ، لذلك شغلني موضوع نشر الثقافة أملا في علاج أزمة القراءة منذ مدة ، وكان ذلك بمناسبة التوقيع الأول لرواية جدار للكاتب المبدع محمد مباركي ، حيث أثار انتباهي مسألة غياب عرض الإنتاج الأدبي بالمؤسسات التعليمية ، ومسألة نشر الثقافة ودورها في رفع المستوى الثقافي واقتناء الكتاب ومدى تقصير الجهات المعنية التي في الغالب تنتقد هذا الوضع المتدني للرغبة في القراءة ، والحديث المستفيض بين الناس عن هجرة الكتاب ، وربما ترجع أسباب ذلك إلى سهولة الحصول على المعلومة وتحميل الكتاب من الانترنت ، إلى جانب ضغط المقرر الدراسي ونوعيته وبعده عن تشجيع القراءة ، وان كان لكل هذا ما يبرره... ولكن بدون نقد ذاتي ولا محاسبة نفس عن الدور المنوط بهذه الجهات ، وهذا ما شعرت به في هذا اللقاء ، ذلك أن الجهات التي لها دور كبير في هذا المجال تتحمل في اعتقادي مسؤولية التقصير الوافر باعتبار أنها المسئولة الأولى عن التوجيه نحو القراءة وتنمية الثقافة ، فإذا حصرنا المسؤولية في لجنة الأنشطة التربوية بالمؤسسات التعليمية ، ثم جمعية أولياء وآباء التلاميذ ، والوزارة فإن المسؤولية الأخرى يتحملها الكتاب كذلك لتهميش أنفسهم وإقصاء آخرين عند تنظيم ندواتهم الغير الواضحة الأهداف أصلا .
إن مسألة غياب عرض الإنتاج الأدبي بالمؤسسات التعليمية ، التي تعرف غالبا بعض الأنشطة الثقافية المناسباتية المحتشمة والمنظمة من طرف لجنة الأنشطة الثقافية ،التي تعرض خلالها نخبة معينة مواهبها على عدد محدود من الطلبة خارج الفصول الدراسية ، وهذا النشاط المسموح به محدودا من حيث الوقت ومتباعدا من حيث التوزيع خلال السنة ، ولذلك رغم أهميته يبقى نشاطا محدود الأهداف وتطبيقه شكليا لا غير ، بل إن هذه الأنشطة لم تحظ بمشاركة وحضور أي كاتب مبدع أو أديب الذي يمكن أن يعطي لهذه الأنشطة بعدا ثقافيا حقيقيا ، فما رأي الكتاب؟ ومن منهم يتحمل المسؤولية ؟ وهل يشعرون بالتقصير ؟
من جهتي فقد شعرت بتقصير كبير طيلة حياتي المهنية المشرفة على النهاية ، كوني لم أنشط في هذا الاتجاه، أي نشر الثقافة ، إلا عندما شاركت مؤخرا في التوقيع الأول لرواية جدار ، حيث لاحظ كل الحاضرين مدى التجاوب الكبير لطلبة ثانوية أبي ذر الغفاري مع اللجنة المنظمة وبالخصوص مع الكاتب ، وتمثل ذلك في الإقبال الكبير على الندوة التي نشطها ثلة من الدارسين للرواية و نوعية الأسئلة التي طرحت .
إن شعوري بالتقصير الذي ارتقى إلى درجة الألم نابعا من مهمتي التربوية والتعليمية ، فلا أسمح لنفسي كما لا أسمح لغيري في مثل موقعي أو مشابه له ، أن تفوت علينا هذه الفرصة ، ولكن لقد خف ألمي ودرجة مسؤوليتي عندما قضت المحاسبة مع نفسي لصالحي ولو بدون براءة تامة، فالمتهمون من مجالات مختلفة ومتنوعة ، والمتضررون من الطلبة وغيرهم كثيرون ، وهذا ما يرفع درجة التقصير . وربما ينطبق هذا بشكل ما على اللقاءات والندوات الأدبية الشبه السرية والدعوات المحدودة والمخصصة التي ينظمها الكُتاب ، وكأن في ذلك سرا ما دعت له الضرورة .
لقد انعقدت مؤخرا ندوات بالجهة الشرقية ، واستدعي لها بعض الأدباء والباحثين ، وأقصي الكثيرين منهم والبعض الآخر تطفل مبررا تأخر الدعوة لا غير ، واستغرب آخرون ، ومنهم من لم يعلم بذلك حتى فات الأوان ، وظهر واضحا أن الكُتاب لا يريدون نسج علاقة فيما بينهم أو يتجاهل بعضهم البعض . على أية حال المسألة تشبه الأنشطة الثقافية المنظمة بالمؤسسات التعليمية حيث يعرض خلالها بعض التلاميذ مواهبهم ، والتي لا ترقى إلى المستوى المطلوب رغم المجهودات ، إذن فلا ندوات الكُتاب ولا الأنشطة الثقافية بالمؤسسات التعليمية بهذا الشكل تعالج مشكل نشر الثقافة أو تحل مشكل العزوف عن القراءة ولا مشكل اقتناء الكتاب ، فهذه اللقاءات المحتشمة والتي يهدر فيها الوقت والمال وربما تعقد شكلا لا غير هي من خصائص المجتمع الغير القارئ ، يزكيه المثقف نفسه ولا يهمه من القراءة والتواصل إلا هدف في نفس يعقوب .
بمنطق الحياد لا يمكن اعتبار تنظيم هذه الندوات والأنشطة الثقافية تقصيرا من جهة ما ، أو إقصاء لأحد ما ، أو تعريفا بكتاب وتشهيرا بآخرين ، ولكن قرارا اتخذ بعفوية لتنظيم الندوة ، بناء على دواعي وأسباب معينة لا دخل فيها لمن لا يهمه الأمر رغم أن شكل اللقاء فيه خسارة لجميع الأطراف ، ومن هنا كان لا بد من إبداء وجهة نظر لتعميم الفائدة ولإعطاء قيمة تربوية وثقافية بهدف تعويد الأفراد على القراءة واقتناء الكتاب وهما جوهرا نشر الثقافة وتنميتها ، وتبقى وجهة نظر هاته اقتراحية لا غير .
دور الندوات :
فعلى مستوى تنظيم الندوات يجب الانطلاق من تقدير القراء (القارئ) قبل تقدير أي شخص آخر واعتبار الكل يدخل في خانة القراء ، والمنتوج يعرض له ولأجله، وتبرمج اللقاءات معه وإلقاء المحاضرات لغرس سلوك القراءة فيه وتوضيح منافعها التثقيفية ، بينما يظل المثقف والمبدع منشطا . بغير هذا سوف لن تحقق الندوات المنتظر منه ، وهي بدون أهداف وإن تحددت ، وربما ستكرس وضع المجتمع الغير القارئ .
إن تنظيم الندوات يجب أن تبنى على أساس مجموعة أهداف أساسها تعميم التعريف بالإصدارات الجديدة والتعارف مع المبدعين الجدد والتعريف بهم ، والتواصل مع القراء والعمل على نشر الثقافة عن طريق حث الحضور على القراءة على غرار الأجيال السابقة التي كان همها الأساس هو اقتناء الكتاب والبحث عنه لقراءته رغم الضائقة المالية ، والإشارة إلى أن متعة القراءة كانت هي المتعة الأولى لديهم .
إن الندوات تساهم بقدر كبير في تنوير العقل إذا كانت هادفة، وتقريب الكتاب للقارئ إذا كان إبداعا جيدا و جديدا ، وبالتالي صناعة مجتمع قارئ ، لذلك كان لا بد من التخطيط للملتقيات وتحديد الأهداف واستثمار نتائجها والعمل على تحسينها. وجلب أكبر عدد ممكن من المشاركين والفاعلين لتقديم إصداراتهم والتشويق لقراءتها و تعويد الأفراد على سلوك القراءة واقتناء الكتب ، كما أن ندوة نشر الثقافة يجب أن تنتقل إلى المؤسسات التعليمية ...
دور المؤسسة التعليمية :
الثابت أن مصدر القراء هو المدرسة لكونها تحتضن أفرادا يبحثون عن تعليم وتربية وسلوك ما ، والمؤسسة إذن هي الانطلاق نحو تأسيس المجتمع القارئ ، فلا مبرر لأحد أن يهمل هذا الفضاء ، ومهما يكن فإن ولوج هذا الفضاء إحساس بالعطاء والأخذ ، حيث سرعان ما يتحول إلى سوق بيع الكتاب وقراءته ، وانتفاع الجميع ، بعدما يتشبع التلميذ داخل هذا الفضاء بأفكار ثقافة القراءة وضرورتها واعتبارها التغذية الأساسية والضرورية للعقل ، فيشعر الكاتب بأداء واجبه وبمشاركته في نشر الثقافة ، وبهذا التقارب والتفاعل نؤسس لبداية نواة مجتمع قارئ ، ينشطه الآباء مع أبنائهم الصغار عند النوم حيث يعملون على إكسابهم هواية القراءة ، ومع استمرار مضاعفة المجهود مع الجميع تتسع القاعدة ويكبر الطموح ويتقوى الثبات والعزيمة .
دور الكاتب :
إنك ولا شك تشعر بالحرج لقلة قراءة إنتاجك أو عدم الاهتمام به بل تتألم إذا ابتعد عنك النقاد ، فهل نقلت همك ومشاعرك المصابة بالحرج لمن يبحث عنك ليتعرف على إنتاجك لتتقرب إليه فتتعرف عليه قبل لومه ونقده ، صحيح إنك لست بالتاجر ولا يحتاج عملك إلى الإشهار رغم أن ذلك ليس فيه عيب ولا نقص من قيمتك ، غير أن رسالتك النبيلة تتطلب منك أكثر من ذلك ، فلك الفضل إذا ساهمت بنشاطك في الندوات . وحتى لا تبقى هذه الندوات عبثية ويفقد روادها الثقة ونستسلم للإخفاق ، وجب ضرورة مشاركة الكاتب المبدع في أي ندوة ثقافية وذلك بالحضور الفعال عن طريق بعث رسالة للقارئ مفادها نشر الثقافة وترك بصمته من خلال حديثه عن متعته في القراءة ومعاناته في الحصول على الكتاب ودفع الأفراد للقراءة ليكسب القراء ...
دور الوزارة : من جهتها يجب برمجة أسلاك الدراسة على هذا المبدأ ألا وهو محاربة أزمة القراءة ، وتقييم تلميذ أو طالب علم وفق كم وعدد المقروء ، ولها الإمكانية لتنظيم معارض ثقافية موسمية بتعاون مع المؤسسات التعليمية والجماعات المحلية، ولا نطيل في هذا لأن لنا من الطاقات والأطر القادرة على تخطي هذا المشكل إذا خططت الوزارة لإحياء نشر الثقافة وبعث هوية القراءة ...
وفق الله الجميع ...حسين سونة
الخميس، 2 يناير 2014
الحضري: بنجلون أعدّ مؤتمر "الاتحاد" وبوعبيد اختار اسم "الاشتراكي"
هسبريس - إسماعيل عزام
الأربعاء 01 يناير 2014 - 15:45
فرّ على الدوام من عدسات الكاميرا واستجوابات الصحافيين، لدرجة أن اسمه نادرا ما تواجد في صحيفة مغربية حتى وهو من بين المؤسسين للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، النقابة الوطنية للتعليم. الرجل الذي رافق مجموعة من كبار الشخصيات المغربية، وكان بمثابة علبة أسرار الراحلين الفقيه البصري ومحمد عابد الجابري، قبِل أخيرا أن يدلي بشهادته على عدة أحداث مهمة عايشها وكان شاهدا عليها، كي يساهم في إنارة بعض الدروب المظلمة من التاريخ المغربي الحديث، وبالضبط تلك الفترة الحرجة التي استمرت من سنوات الاستقلال إلى تجربة التناوب التوافقي.عبد القادر الحضري، الأستاذ الجامعي المتقاعد، الذي قرر أخيرا الانزواء في منزله بالحي الحسني الدار البيضاء عوض أن يبقى فاعلا في حزبٍ كثُرت ضده الانتقادات، يتحدث في هذا الحوار الحصري الذي تنشره هسبريس على حلقات، عن الأسباب الذي جعلت الحسن الثاني يسقط حكومة عبد الله إبراهيم، وكيف "خان" الاتحاد المغربي للشغل ثقة المنضوين تحته، عارجا على الخلافات الكبيرة التي وقعت بين قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم على اغتيال المهدي بنبركة، فظروف تشكيل الاتحاد الاشتراكي، وعدة أحداث مهمة أخرى في إطار ما يُعرف بسنوات الرصاص.
(الجزء السادس)
بعد أن تحدثنا خلال الأجزاء الخمسة الأولى من محطات مهمة من حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أتت سنوات السبعينيات، لتشهد حدثاً مفصلياً في حياة هذا الحزب، وهو انفصال حزب جديد عنه يُعرَف الآن ب"حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية"، كيف تم هذا الانفصال؟
في الحقيقة لم يكن تأسيسا ولا انفصالاً، بل كان تصحيحا للخط النضالي واستدراكاً لِما كان يجب أن تكون عليه الأمور، وتجديداً لقناعات وتوجهات حالت دونها إكراهات الترابط مع قيادات الاتحاد المغربي للشغل الذي كان يختزل السياسة في الخبز، وطوال المدة الفاصلة بين تأسيس الاتحاد الوطني وظهور الاتحاد الاشتراكي، أي ما بين سنة 1959 و1975، أخذت الصراعات بين الجناح المناضل والجناح المناور وقتا وجهدا كبيراً، فقد كان هناك جناح تواق لعمل نضالي يرقى للمهام المطروحة والتحديات الراهنة، وجناح كل مساعيه الحفاظ على المكتسبات وانتهاج الأساليب المناورة والتكتيكية التي كان يقتضيها انتهاز المشي على الحبلين لتحقيق مكاسب شخصية.
فقد ضاق صدر المناضلين من الأساليب التخاذلية التي كان جهاز بن الصديق يتفنن في تقديمها، خاصة تلك المضايقات المتواصلة التي كانوا يتعرضون لها على المستويات الوطنية والجهوية، قصْد دفعِهم إلى الانسحاب من واجهات المسؤوليات والتخلي عن الالتزامات كي يخلو الجو للجناح المناور من أجل إرضاء الجهات المسؤولة.
إذن، فقد كان الجناح النضالي مجبراً للمغادرة؟
بشكل أو بآخر، فقد كان هناك تفكير جدي لإنهاء هذه المرحلة الصعبة والتخلص من وضع كان يعجب الدولة، لذلك أتت مبادرة الشهيد عمر بنجلون بالسعي لاجتماع 30 يوليوز 1972 بالرباط، وقد ترأسه عبد الرحيم بوعبيد ليكون منطلقاً لعمل حسم يفصل بين مرحلتين، حيث يتم التدشين لمرحلة واعدة هادفة تستنير بمضمون التقرير المنارة: تقرير الشهيد المهدي بنبركة بما احتواه من توجيهات بالوقوف على مكامن القوة ومكامن الضعف في التجربة النضالية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
وقد تلى ذلك الاجتماع واحد آخر بفاس سيحسم فيه السعي لمؤتمر استثنائي تحدد تاريخه في 1974 في البداية، إلا أن بعض الظروف أجلته إلى سنة 1975 بسبب جملة من الاعتقالات لأعضاء من الحزب وصدور أحكام قاسية في حق البعض منهم.
من اختار اسم كلمة "الاشتراكي" لتحل محل "الوطني"؟
بوعبيد هو من اقترح هذا الإسم، لأنه بعد الاجتماعات المفصلية التي كان الغرض منها إصلاح الحزب، تبين أن عبد الله إبراهيم غير مستعد بتاتاً للتنازل عن اسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ورغم أن الغالبية من الأعضاء كانوا مع بوعبيد، فالترخيص بإنشاء الحزب سنة 1959 كان في ملكية ابراهيم وهو الوحيد الذي يمكن له تغيير الاسم من عدمه.
ما هي أهم الأمور التي ركز عليها المؤتمر الاستثنائي لسنة 1975؟
بعد العفو الملكي على مجموعة من المناضلين، تم استئناف الاستعدادات لذلك المؤتمر، وصراحة يعود الفضل بشكل كبير للشهيد بنجلون الذي صال وجال عبر ربوع الوطن، وتواصل مع مختلف الهياكل الحزبية من أجل الإعداد للمؤتمر الاستثنائي.
لذلك ركز المؤتمرون على الديمقراطية بمفهومها الاستراتيجي، أي الديمقراطية الاجتماعية التي تسير في خط متوازٍ مع مسعى التحرير والعدالة الاجتماعية، لا ديمقراطية الواجهات التي تقتصر على صناديق الاقتراع لتنظيم تناوب النخب من أجل التموقع في البرلمان والمؤسسات الجماعية. كما ركز المؤتمرون على ضرورة خلق تنظيم نقابي يتوج بمركزية نقابية تعوض الاتحاد المغربي للشغل، زيادة على التدقيق في طبيعة العلاقة التي يجب أن تسود وتحكم العلاقة بين الحزبي والنقابي حتى لا يسقط الحزب والنقابة في علاقة غير مضبوطة.
وقد كانت الاستراتيجية التي اتبعها بنجلون وبوعبيد ناجعة، حيث كان الحزب حاضرا في مفاصل المجتمع وظهر أكثر قوة عما كان في بعض السنوات القليلة الماضية، في الوقت الذي ضعُف فيه ما بقي يسمى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ورغم أن الحزب لا زال مستمراً حتى الآن، إلا أن تواجده بالساحة السياسية ضعيف جداً.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)