وقد ورد نظير هذا المعنى في سورة النازعات ( يوم ترجف الراجفة تتبعهاالرادفة ).
ويـرى الـكـثـير من المفسرين ان الاية الاولى هي اشارة الى نفخة الصور الاولى (وهي الصيحة العظمى التي تنهي العالم ) اما الاية الثانية فهي اشارة الى النفخة الثانية (صيحة الاحيا) وهي الصحية الـتـي تـبـدا بـها القيامة , وهذا المعنى على خلاف ظاهرالاية وذلك لان الراجفة مشتقة من رجف وحسب ما ذكره صاحب مقاييس اللغة في ان الراجفة تعني الاضطراب .
وحـسـب قول الراغب في مفرداته (الرجفة ) بمعنى الاضطراب الشديدويقال للبحر الهائج (بحر رجاف ) و(اراجيف ) هي الاخبار التي تزلزل الافكار العامة للمجتمع , صحيح ان الصيحات العظيمة تـقـرن عادة مع الزلازل ولكن لاتوجد هناك ضرورة لترك المعنى الحقيقي للزلزلة الاولى والثانية واختيار الكناية او المعنى اللازم .
3 ـ ان تـبـدل سطح الكرة الارضية من احدى علامات شروع القيامة فتصبح الارض مسطحة ملسا تـمـامـا ويـبرز جميع الناس بوضوح على سطح الكرة الارضية ( يوم نسير الجبال وترى الارض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا ) الكهف ـ47.
ان حركة الجبال هي مقدمة لتدمير الارض وعلى اثر هذا التدمير الوارد في الاية التي نحن بصددها وبـعـض الايـات الاخرى ايضا تصبح الارض قاعا صفصفا : اي ملسا مستوية لا يعلوها شي ويظهر جميع الناس عليها بشكل واضح .
ولـو تاملنا في هذه الايات ( ويسالونك عن الجبال # فقل ينسفها ربي نسفافيذرها قاعا صفصفا # لا ترى فـيـها عوجا ولا امتا # يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له ) طه ـ105 ـ108 لاتضح لنا بان هذه الايات تعرض لنا مشاهد من حوادث نهاية العالم ومشاهد اخرى من حوادث بداية القيامة .
هذه خلاصة للبحوث المتعلقة بـ (اشراط الساعة ) وامارات القيامة ولقدعرضناها في ثلاثة فصول بـالاستفادة من الايات القرآنية وكذلك عرضنا مشاهد من التغيرات العظيمة التي تقع في نهاية العالم وبداية القيامة .
نفخة الصور
نفخة ((صرخة الموت والحياة )).تمهيد :
لقد اشار الكثير من الايات القرآنية الى نفخة الصور ويستفاد مما ورد فيهابان هناك نفختين بالصور :
الاولى وتقع في نهاية العالم وهي التي تسبب في موت جميع الخلائق وتسمى بنفخة الموت .
اما النفخة الثانية فتقع قبيل يوم القيامة وتعمل على احيا جميع الاموات وتسمى نفخة الحياة .
وفي الحقيقة ان توقف هذا العالم وبد حركة عالم آخر يشبه توقف وحركة القطعة العسكرية حيث يـتـوقف افرادها عند سماعهم لصوت بوق خاص ويتحركون مرة اخرى عند سماعهم لصوت بوق آخر.
وهنا يطرح هذا السؤال : مامعنى الصور ؟ وما المقصودبالنفخة ؟
لـقـد خـصصنا لهذاالموضوع بحثا مفصلا سنتطرق اليه فيما بعد ـ انشا اللّه ـوالجدير بالذكر ان القرآن ذكر ستة تعابير مختلفة حول هذا الموضوع .
فاحيانا يعبر عنه بـ (نفخة الصور).
واحيانا اخرى بـ (الصيحة ).
وثالثة بـ (النقر في الناقور).
ورابعة بـ (الصافة ).
وخامسة بـ (القارعة ).
وسادسة (الزجرة ).
وسوف نشرح هذه العناوين من خلال الايات الاتية مستمعين اليهابخشوع :
1 ـ ( ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض الا من شا اللّه ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون ) الزمر ـ68.
2 ـ ( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الارض الا من شا اللّه وكل اتوه داخرين الا من شا اللّه ) النمل ـ87.
3 ـ ( ونفخ في الصور فاذا هم من الاجداث الى ربهم ينسلون ) يس ـ51.
4 ـ ( فـاذا نـفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة ) الحاقة ـ13 ـ14.
5 ـ ( فاذا نفخ في الصور فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتسائلون ) المؤمنون ـ101.
6 ـ ( ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا ) الكهف ـ99.
7 ـ ( يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يؤمئذ زرفا ) طه ـ102.
8 ـ ( يوم ينفخ في الصور فتاتون افواجا ) النبا ـ18.
9 ـ ( قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور ) انعام ـ73.
10 ـ ( ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ) ق ـ20.
11 ـ ( ان كانت الا صيحة واحدة فاذا هم جميع لدينا محضرون ) يس ـ53.
12 ـ ( ما ينظرون الا صيحة واحدة تاخذهم وهم يخصمون ) يس ـ49.
13 ـ ( وما ينظر هؤلا الا صيحة واحدة مالها من فواق ) ص ـ15.
14 ـ ( يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج ) ق ـ42.
15 ـ ( فاذا نقر في الناقور # فذلك يومئذ يوم عسير ) المدثر ـ8 ـ9.
16 ـ ( فاذا جات الصاخة # يوم يفر المر من اخيه ) عبس 33ـ ـ34.
17 ـ ( القارعة مالقارعة # وما ادارك مالقارعة # يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ) القارعة ـ1 ـ4.
18 ـ ( فانما هي زجرة واحدة فاذا هم ينظرون ) الصافات ـ19.
تفسير موجز :
نفخة الموت ونفخة الحياة
لـقد عبرت الثمان عشرة آية السالفة الذكرـ كما اشرنا الى ذلك سابقا ـ عن نفخة الصور تحت ستة عناوين مختلفة وقد جمعنا هذه الايات مع بعضها كي نسلطالاضوا على تفسيرها حتى يتضح المفهوم الحقيقي لنفخة الصور من خلال المقارنة بينه.لـقـد اشارت الاية الاولى الى نفخة الصور الاولى وكذلك الى نفخته الثانية وهذه هي الاية الوحيدة الي جمعت كلا النفختين ( ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض الا من شا اللّه ) ويـرى صاحب كتاب (مقاييس اللغة ) بان مادة صعق على وزن صعق يعني الصوت الشديد , ويرى بان الـصـاعـقة مشتقة من نفس المعنى وهي سبب الموت والدمار , وجات هذه المادة ايضا بمعنى الموت وذكـر صـاحـب كتاب لسان العرب ان المعنى الاول للصعق هو الاغما , وشل العقل على اثر سماع الصوت الشديد وذكر بان (الموت ) من المعاني الاخرى لهذه الكلمة حتى انه ذكر قول بعضهم على ان الموت هو احد معاني الصاعقة .
عـلى اية حال ان مفهوم الصعق في الاية يعني الموت المابغت الذي يعم جميع اهل السموات والارض وذكـرت الايـة الكريمة (الا من شا اللّه ) فما المقصودمن هذه العبارة ؟ هناك كلام للمفسرين في هذا الصدد قال بعضهم : ان هذه العبارة هي اشارة الى جمع من ملائكة اللّه الصالحين وهم (جبرائيل , وميكائيل , واسرافيل ,وعزائيل ) وقال بعض آخر انهم الشهدا , وقيل ان الاية تشمل ايضا اضافه الـى الـمـلائكـة الاربـعة الذين سبق ذكرهم حملة العرش الالهي ومع ذلك فالنتيجة ان جميع هؤلا يذوقون الموت بحكم قوله تعالى :( كل نفس ذائقة الموت )آل عمران ـ185ولم يبق الا وجه اللّه الذي هو حي لايموت ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ) ص ـ21.
ولقد اشار ذيل الاية الى النفخة الثانية ( ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون ).
الـصـور فـي الاصل بمعنى البوق الذي يستخدم عادة لايقاف او لتحريك الجند واحيانا القوافل ولقد استخدم في هذه الاية بمعنى توقف الحياة باسرها في عالم الوجود ومن ثم حركتها مرة اخرى .
وهناك شرح مفصل لهذا الموضوع سنتعرض اليه ـ ان شا اللّه ـ في فقرة (التوضيحات ).
وقـد اشارت الاية الثانية الى النفخة الثانية فقط ( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الارض ).
ولـم يـسـتـبـعد البعض ومنهم العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان ان المرادمن هذه الاية كلا النفختين .
ولكن ذيل الاية يذكر ( وكل اتوه داخرين ) وهذا يدل على ان المقصودهو النفخة الثانية وفي هذه الايـة ايـضـا نـواجه الجملة الاستثنائية ( الا من شا اللّه )حيث اشرنا الى تفسيرها في ذيل الاية الاولى .
امـا الاية الثالثة فتشير الى النفخة الثانية (نفخة الاحيا) ( ونفخ في الصورفاذا هم م ن الاجداث الى ربهم ينسلون ) ((20)) .
ولـقـد ذكـر الـمفسورن بان هذه الاية تختص بالنفخة الثانية ويشهد على هذاالمعنى ذيل الاية وما بعدها من آيات .
ويطرح البعض هذا السوال اذا كان الناس يهلعون في ذلك اليوم من الحساب الالهي فكيف يفزعون اليه ؟
فقيل في جواب ذلك بان هذه الحالة حالة لااراديه .
وبهذه الوسيلة يدعوهم اللّه تعالى الى محكمة عدله .
والاية الرابعة ناظره الى النفخة الاولى وهي نفحة اماتة جميع المخلوقات وفناالعالم باسره ( فاذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة ).
ان تعبير (واحدة ) الذي تكرر مرتين في هذه الاية يدل على ان هذه الحوادث تتحقق بصورة مباغتة عـلـى شكل ضربة مميتة ومن جهة اخرى ان هذه الايات تبين القدرة اللامتناهية للّه سبحانه وتعالى حيث تفنى جميع المخلوقات بنفخة صور واحدة بالضبط مثل نفخة البوق التي تحرك جيشا عظيما او توقفه في مكانه .
بلا شك ان الايات السابقة اشارت الى النفخة الاولى اما الايات اللاحقة فقد ورد فيها اضافة الى ذلك كلام عن حوادث المحشر وصحيفة الاعمال واوصاف الجنة , وبحكم كون الحوادث المذكورة تقع فـي نـهـاية العالم وبداية القيامة ولا توجدفاصلة كبيرة بينهما لهذا السبب نرى في كثير من الايات القرآنية ان حوادث نهاية العالم وقيام القيامة جات مرادفة لبعضها البعض .
ويـرى بعض المفسرين الكبار ومنهم صاحب الميزان فيقول (والذي يسبق الى الفهم من سياق الايات انـهـا الـنـفخة الثانية التي تحيي الموتى ) ((21)) ونحن نستبعد ان تكون هذه لاية قد اشارت الى النفخة الثانية حيث انها لا تتوافق مع سياق الاية التي تليها والتي تخبر عن دك الارض والجبال ولعل الايـات الـتـي وردت (بـفـاصـلة ) عن هذه الاية هي التي ساقته الى هذا المعنى , في حين ان التامل فـي الايـات الـمـخـتلفة التي تتحدث عن القيامة يدلل على ان هذه الايات تذكراحياناحوادث هاتين النفختين سوية ويميز بينهما بالقرائن .
امـا الايـة الـخـامـسة اشارت بوضوح الى (النفخة الثانية ) وذلك لانها تخبرعن عدم تاثير روابط الانـساب بين الناس اثنا (نفخة الصور) ( فاذا نفخ في الصور فلاانساب بينهم يومئذ ولايتسالون ) فـمـن الـواضـح ان السؤال سوا كان بمعنى التساؤل عن احوال بعضهم البعض او بمعنى طلب العون والمساعدة فان كل هذا يحدث في نفخة القيامة (نفخة الحياة ).
ومن الغريب ان نرى بعض المفسرين يحتملون ان المراد في هذه الاية النفخة الاولى .
عـلـى ايـة حـال ان عدم سؤال بعضهم للبعض الاخر محمول على كلاالاحتمالين بحكم انشغال كل بنفسه وبالاهوال التي يتعرض اليها فلا يفكر بالاخرين .
من هنا يطرح هذاالسؤال وهو كيف تتوافق هذه الاية مع غيرها من الايات التي تذكر ( فاقبل بعضهم على بعض يتسالون ) الصافات ـ50.
وكذلك قوله تعالى ( وبرزوا للّه جميعا فقال الضعفا لل ذين استكبروا انا كنا لكم تبعا فهل انتم مغنون عنا من عذاب اللّه من شئ ) ابراهيم ـ21.
فـيـتضح الجواب عن هذا السؤال من خلال ملاحظة الايات الكريمة بالنسبة الى غيرها فيستفاد من الايات بان هناك مراحل ومواقف متعددة يوم القيامة ولكل مرحلة من هذه المراحل خصائصها والشاهد على هذا الكلام حديث للرسول الاكرم (9) في جوابه عن هذا السؤال نفسه حيث قال (9) : (ثلاثة مـواطن تذهل فيها كل نفس : حين يرمى الى كل انسان كتابه , وعند الموازين , وعلى جسرجهنم ) ((22)) .
امـاالايـة الـسادسة والسابعة فقد اشارتا ايضا الى النفخة الثانية قال تعالى :( وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ).
فـهل ان هذا المشهد العظيم يكون بسبب تراكم الناس ام بسبب حالة الخوف والهلع ام لسيادة الفوضى في نهاية العالم ؟
يـرى الـبـعض ان هذه الاية هي اشارة الى (قوم ياجوج وماجوج ) ((23)) بعد بناسد ذي القرنين (حسب سياق ما قبلها من الايات ) ولكننا نستبعد هذا المعنى بقرينة الايات التالية لها (تامل ).
عـلـى كل حال يضيف تعالى في نهاية الاية ( ونفخ في الصور وجمعناهم جمعا ) وقال في الاية التي تليها ( يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذزرقا ).
زرق : جمع ((ازرق )) وفي الاصل بمعنى زرقا اللون ومن الممكن ان يكون هذا اللون اشارة الى ان اللّه سبحانه وتعالى يحشر المجرمين زرق الابدان اوعميا او عطاشا لشدة العطش الذي تتعرض له ابدانهم .
انـنـا نـرى ان الـمـعـنى الاول هو الانسب وذلك لانه معنى حقيقي اما الثاني والثالث فله بعد كنائي (مجازي ).
اما الاية التاسعة والعاشرة : فقد اشارتا ايضا الى النفخة الثانية اي نفخة الحياة والقيامة فقال تعالى : ( يوم ينفخ في الصور فتاتون افوجا ) وقال ( ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ) ان الاتيان افواجا في ذلـك الـيـوم قـد يكون لورود كل امة مع امامها الى المحشر (الانبيا وغيرهم ) او ان كل زمرة من المجرمين الذين اقترفواذنبامعينا يحشرون سوية .
على اية حال فهذه الاية لا تتنافى مع الاية 95 من سورة مريم ( وكلهم آتيه يوم القيمة فردا ) وذلك ـ كما اشرنا سابقا ـ ان هناك مواطن ومواقف مختلفة في يوم القيامة فمن الممكن ان يحشر الناس في البداية على شكل مجموعات ثم يحضرون في محكمة العدل الالهي فرادى (فتامل ).
الوعيد : تستعمل هذه المفردة على قول الراغب الاصفهاني ومجموعة من المفسرين واهل اللغة فى الشر في حين كلمة وعد تستعمل في الخير والشرواستخدمت الاية الكريمة هذا اللفظ (الوعيد) لانذار المجرمين من ذلك اليوم بالرغم من ان القيامة تشتمل على الوعد بالخير والوعيد بالشر.
الايتان الحادية عشرة والثانية عشرة اللتان وردتا في سورة يس تنذران بوقوع صيحة شاملة تحدث في نهاية هذا العالم هي (صيحة الموت ) او (صيحة الحياة ) التي تقع في بداية القيامة .
ففي مورد واحد اشار الى صيحة ونهاية العالم .
فـهـؤلا كانوا يسالون دائما متى يتحقق الوعد الالهي ؟ فكانوا يظنون ان هذا الامر عسير على اللّه سبحانه وتعالى فيقول اللّه تبارك وتعالى : ليس الامر كمايعتقد هؤلا ( ما ينظرون الا صيحة واح دة تاخذهم وهم يخصمون ).
واشـار في المورد الثاني الى الصيحة الثانية (صيحة الاحيا) ( ان كانت الا صيحة واحدة فاذا هم جميع لدينا محضرون ).
والـصيحة حسب ما يقول الراغب الاصفهاني (في الاصل بمعنى رفع الصوت واصله ) تشقيق الصوت من قولهم انصاح الخشب او الثوب اذا انشق فسمع منه صوت وصيح الثوب كذلك ومن ثم اطلقت هذه الـكـلـمة على جميع الاصوات العالية واحيانا تعني هذه الكلمة طول القامة كما ورد مثلا في شجرة عالية فكانها تصيح بالناس وتدعوهم اليها ولكن صاحب كتاب مقاييس اللغة ذكر ان المعنى الاصلي للصيحة هو الصوت العالي و(تصيح ) بمعنى تشقيق الخشب وهي كلمة اصلها واوي , ويقول انها كانت في الاصل (تصوح ) (فتامل ).
عـلـى اية حال ان المفسرين يرون ان الصيحة الاولى هي نفخة الصور الاولى والصيحة الثانية هي نـفخته الثانية في حين ان الاية 51 من نفس السورة والتي تقع بين هاتين الايتين قد اشارت صراحة الى نفخة الصور ونشور الاموات من قبورهم وقيل ان لا منافاة بين الايتين حيث ان الاية الثانية جات موضحة ومفسرة للاية الاولى ويكون مفهومها ان نفخة الصور الثانية ماهي الا صيحة عظيمة فاذاهم جيمع لدينامحضرون .
ان جـميع هذه التعابير تدل على هذه الحقيقة وهي ان نهاية الدنيا وبداية قيام الساعة امر سهل يسير على اللّه القادر سبحانه وتعالى ولا مبرر لعجب المخالفين من وقوع هذا الامر فالكل يموت بصيحة واحـدة عـظيمة ثم يصبحون رميما وتراباوبصيحة عظيمة اخرى يرجعون مرة اخرى الى الحياة ويحضرون جميعا امام اللّه تبارك وتعالى .
الايـة الـثـالـثة عشرة والرابعة عشرة : اشارتا مرة اخرى الى الصيحتين (صيحة الموت وصيحة الحياة ).
تـقول الاية الاولى : ( ما ينظر هؤلا الا صيحة واحدة مالها من فواق )وهناك عدة اقوال في تفسير هـذه الايـة , فـقـيـل انها تشير الى عذاب الاستئصال (وهوالعذاب الدنيوي الذي يستاصل جذور الكافرين والظالمين مثل عذاب قوم نوح ولوط وغيرهما).
وقـيـل : ان الايـة اشـارت الى نفخة الصور والمعنى الاول يتفق مع سياق الايات السابقة للاية التي تـتحدث عن مجازاة قوم نوح وعاد وثمود وامثالهم ولكن مع اخذ ذلك بنظر الاعتبار فان هذه الاية جات تهديدا لكفار مكة مع ان هؤلامستثنون من عذاب الاستئصال بحكم الاية 33 من سورة الانفال : ( وما كان اللّه ليعذبهم وانت فيهم ).
وعلى هذا الاساس لا يمكن تفسيرالاية بعذاب االاستئصال فيكون الراي الثاني هو الانسب .
وبنا على ذلك فهل ان الاية اشارت الى نفخة الصور الاولى ام الثاينة ؟هناك اختلاف بين المفسرين ولـكـن وبلا شك ان لحن الاية يتوافق مع النفخة الاولى ذلك لان ذيل الاية يقول : ( مالها من فواق ) وهـذا التعبير يقال عادة لنفخة الموت ولقد استشهد بحديث نقل عن الرسول الاكرم (9) حول هذه الاية لبيان النفخة الاولى ((24)) .
((فـواق )) : حسب قول الكثير من المفسرين واهل اللغة هو مابين حلبتي الناقة واصله من الرجوع يقال افاق من مرضه اي رجع الى الصحة .
وعـلـى ايـة حال فان صيحة فنا العالم لا تعطي فرصة لاحد وينتهي كل شي في وقت قصير ويصبح هشيما تذروه الرياح ويقوم سد محكم يحول بين الانسان وماضيه .
ولقد اشارت الاية اللاحقة الى صيحة يوم القيامة ( يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج ).
ويـعتقد المفسرون ان هذه ((الصيحة )) هي نفس صيحة القيامة حيث ان ذيل الاية دليل واضح على ذلك والمراد من (الحق ) كما يقول المرحوم الطبرسي في مجمع البيان والفخر الرازي في التفسير الكبير والالوسي في روح المعاني هو نفس البعث والنشور.
ولـكـن ظـاهـر الايـة ان المراد بالحق الوارد في الاية الكريمة هو نفس معناه الاصلي , وبتعبير (الـمـيـزان ) يـعـني القضا الحتمي والنشور هو مصداقه اما تعبير يوم الخروج فالمقصود منه يوم خروج الناس من قبورهم .
وهنا يطرح هذا السؤال ومن الذي يسمع هذه الصيحة ؟ هل تسمعهاالارواح قبل ورودها الاجساد ؟ ام ان الابدان تحيى وترجع اليها الارواح عندالصيحة ؟ وبهذا يستمر الناس في سماعهم للصيحة ومـثـل ذلك كمثل ساعة الجرس التي تدق قرب شخص نائم فتوقظه وهناك اقوال اخرى والمعنى الثاني هو الانسب لسياق الاية .
فـي الايـة الـخـامسة عشر نجد تعبيرا جديدا وهو (نقر) قال تعالى : ( فاذا نقرفي الناقور فذلك يـومـئذ يـوم عسير# على الكافرين غير يسير ) (نقر) يقول ارباب اللغة في الاصل يعني طرق شي والـمـنـقار هي وسيلة الطرق ومن هنا يكون الطرق ملازماللصوت وتاتي هذه الكلمة احيانا بمعنى ايـجاد الصوت او سببه وهو هنا النفخ في الصور ولذا نجد ان مجموعة من المفسرين فسروا الاية بشكل مباشر بالنفخ في الصور , فالنقر بمعنى النفخ والناقور بمعنى الصور ((25)) .
وهـنـاك احتمال آخر وهو ان هذا التعبير (النقر) جا لان الصوت الذي ينبعث من البوق من العظمة والشدة وكانه ينقر الاذن نقرا ويغوص الى المخ .
عـلـى ايـة حـال ان هذا التعبير هو اشارة الى النفخة الثانية بشهادة الايات التي بعد هذه الاية والتي تـخـبـر عـن الـوضـع العسير الذي يعيشه الكافرون في ذلك اليوم ويقول الفخر الرازي : اذا كان الـمـقـصـود هـو الـنفخة الاولى (كما يحتمل المفسرون ) فسوف لايكون ذلك اليوم عيسرا على الـكـافـرين لانهم يموتون في تلك الساعة انما اليوم الشديد على الكافرين عند صيحة الاحيا ولذلك يقولون ياليتهاكانت القاضية ((26)) .
وفـي الاية السادسة عشر نلاحظ تعبيرا جديدا هو الصاخة قال تعالى ( فاذاجات الصاخة # يوم يفر المر من اخيه ).
الصاخة : مشتقة من مادة (صخ ) ويقول الراغب هو الصوت الشديد الذي ينبعث من اصحاب النطق .
وقال صاحب مقاييس اللغة هي الصيحة التي تصم الاذان وفسرهاالبعض : بمعنى طرق راس الانسان بـالـحـجـر ((27)) وقـيل : الاستماع والانصات الصاخة هي التي تصخ الاذان حتى تكاد تمضها ((28)) وتسمى بالصاكة لشدة صوته.
وفـي كل الاحوال فهذا التعبير اشارة الى ((نفخ الصور)) النفخة الثانية تلك الصيحة العظيمة التي هـي صيحة الصحوة والحياة , حيث يساق الجميع الى عرصات المحشر , وكل واحد مشغول بنفسه الى الحد الذي يفر من اخيه وابيه وامه واصدقائه .
ونواجه في الاية السابعة عشر تعبيرا آخرا حول مسالة نفخ الصور يقول تعالى : ( القارعة مالقارعة #وما ادارك مالقارعة # يوم يكون الناس كالفراش المبثوث # فاما من ثقلت موازينه فهو في ع يشة راضية ).
الـقـارعـة : مـن مادة (قرع ) على وزن (فرع ) وفي الاصل بمعنى الطرق الشديد الذي ينبعث منه صوت عال ومنها (المقرعة ).
فما المقصود من القارعة في هذه الايات :
قـال بـعض المفسرين ان هذا التعبير هو احد اسما القيامة وذلك لان الحوادث التي تقع فيها حوادث شـديـدة وتـقرع القلوب لشدتها وهولها ولقد صرح البعض من المفسرين بان هذا التعبير يطلق على مجموعة حوادث القيامة التي تبدامن نفخة الصور الاولى وتنتهي بخاتمة المحكمة الالهية ((29)) .
يقول الفخر الرازي في تفسيره (واختلفوا في لمية هذه التسمية على وجوه ((30)) :
اولها : ان سبب ذلك هو الصيحة التي تموت منها الخلائق .
ثانيها : ان الاجرام العلوية والسفلية يصطكان شديدا عند تخريب العالم فيسببان تلك القرعة فسميت القيامة بالقارعة .
ثالثها : ان القارعة هي التي تقرع الناس بالاهوال والافزاع .
رابعها : انها تقرع اعدا اللّه بالعذاب والخزي والنكال .
ولكن الايات التي تاتي بعد هذه الايات تدلل بان هذا التعبير ناظر الى النفخة الاولى وهي النفخة التي ترعب جميع الناس ثم تهلكهم وتخرب الجبال ,ولقد ذكرت في تعقيب هذا الموضوع حوادث القيامة كتسلسل طبيعي .
عـلـى اية حال ان التعبير اعلاه اما انه يشير الى نفخة الصور الاولى او ان النفخة الاولى جز منها وامـا ان يـكـون قد اشار الى النفخة الثانية وهذا ما لا يتوافق مع سياق الايات فمن المستبعد جدا ان تـكون الاية ( يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ) قد اشارت الى النفخة الثانية والاية التي بعدها ( وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) اشارت الى النفخة الاولى (تامل ).
اما الاية الثامنة عشر فنلاحظ فيها تعبيرا جديدا آخر الا وهو (الزجرة )(الصيحة العظيمة ) في جواب من يعجب من رجوع الحياة بعد الموت اذ تقول الاية لا تعجبوا فذلك ليس بالعسير ( فانما ه ي زجرة واحدة فاذا هم ينظرون ).
زجـرة فـي الاصـل الـصـيحة من قولك زجر الراعي الابل او الغنم اذا صاح عليها فريعت لصوته ((31)) كـشاف زمخشري وزجرة يزجره اذا صاح بمنعه ثم استعملت بمعنى الطرد وترد احيانا بـمـعـنـى الـصوت وجملة (ينظرون ) فمن الممكن ان تعني النظر بحيرة من شدة الخوف او نظر احدهم الى الاخر او انتظار الحكم النهائي .
عـلـى ايـة حـال فـظـاهر الاية الكريمة يشير بوضوح الى نفخة الحياة ونشورالناس من قبورهم وتهيئتهم للحساب , وان اغلب المفسرين قد اشاروا الى هذاالمعنى .
يستفاد من مجموع الايات ان نهاية وبداية العالم الاخر انما تحدثان بصورة مباغتة .
وتـتـزامـنـان عـند وقوع صيحة عظيمة ولقد عبر القرآن الكريم عن ذلك تعابيرمختلفة فاحيانا اسـتـخدم الصيحة واحيانا الزجرة والصاخة والتي هي معنى الصيحة واخرى بالنقر كما عبر عنها في كثير من الموارد بنفخة الصور.
وفي الظاهر لم يلاحظ في هذه الايات شرحا او توضيحا لكيفية النفخ وحكم هذه الحادثة في الواقع كـحـكـم سـائر الحوادث المتعلقة بمشاهد يوم القيامة التي لم ترسم لنا صورة تفصيلية عنها الا ان الاحاديث التي سنوردها بهذا الصدد قدتعرضت الى هذه الحوادث وفصلتها الى حدما ولكنها لم ترفع الايـهـامات بشكل كلي وبعبارة اخرى لم تستطع ان ترفع هذه الاشاكالات وذلك لان هذه الامور من اسـرارالـعالم الاخر من جهة , ومن جهة اخرى ان عقولنا المحدودة بحدود هذه الدنياعاجزة عن ادراك هذه الحوادث على حقيقته.
ونـواجه في الاية السابعة عشر تعبيرا آخر حول مسالة نفخ الصور يقول تعالى (القارعة ماالقارعة # وما ادريك ماالقارعة # يوم يكون الناس كالفراش المبثوث # فاما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ) وفـي كـل الاحـوال فـهذا التعبير اشارة الى الصيحة الثانية , تلك الصيحة العظيمة التي هي صيحة الصحوة والحياة حيث يساق الجميع الى عرصات المحشر , وكل واحد مشغول بنفسه الى الحد الذي يفر من اخيه وابيه وامه واصدقائه .
توضيحات :
1.
ما المراد بـ (نفخة الصور) او صرخة الموت والحياة :
عـلـمـنا ان الصور وحسب قول الكثير من ارباب اللغة يعني البوق او القرن العظيم (كانوا يصنعون البوق من قرن الحيوان ).فكانوا ينفخون فيه من جهة فيخرج الصوت عاليا من الجهة الاخرى .
هل ان هذا التعبير تعبير مجازي كناية عن الامر الصادر من قبل اللّه تبارك وتعالى ينذر بنهاية العالم الـمـبـاغـتـة وبداية القيامة ؟ اي هل هو تشبيه لما اعتاد عليه الناس في ايقاف الجند او التوافد او تـحـريـكها فهي وسيلة تستعمل لاعلام الجميع بالوقوف او الحركة ؟ (حيث ان لحن بوق الوقوف يـخـتـلف عن لحن بوق الحركة )حيث لا زال هذا الاسلوب معمولا به في بعض الثكنات والقطعات الـعـسـكرية فهناك بوق النوم وبوق النهوض وبوق التجمع ((32)) ؟ ام ان هذا العبير ليس له بعد كـنـائي وانـمـاهـي نـفـخـة حـقـيقية ؟ ولكن من الواضح ان هذا البوق ليس بوقا عاديا وانما هو صـاعقة وصيحة عظيمة تعم ارجا السموات والارض وتسبب في موت جميع الموجودات الحية او احيائها وبعث الحياة والحركة فيه.
ان هذا الاحتمال هو الارجح ويتناسب مع ظاهر الايات : ونقرا في هذاالصدد حديثا ورد عن الامام عـلي بن الحسين (7) (ان الصور قرن عظيم له راس واحد وطرفان , وبين الطرف الاسفل الذي يـلـي الارض الـى الطرف الاعلى الذي يلي السما مثل ما بين تخوم الارضين السابعة الى فوق السما السابعة , فيه اثقاب بعددارواح الخلائق , وسع فمه ما بين السما والارض ) ((33)) .
ولقد ورد في حديث آخر عن الرسول (9).
(الصور قرن من نور فيه اثقاب على عدد ارواح العباد) ((34)) .
وهذين الحديثين يؤكدان ان هذا التفسير هو كناية عن موضوع هام بين في هذا المجال .
ولـكـن نـلاحظ في اقوال بعض المفسرين ان (الصور) ماخوذ من جمع (صورة ) وقالوا ان المراد النفخ في صور وابدان الناس فتدب الحياة فيهم .
ان هـذا الـتـفـسـير يتناسب مع النفخة الثانية اي نفخة الاحيا وليس النفخة الاولى ولقد رفض هذا التفسير من قبل بعض ارباب اللغة ولقد نقل هذا المعنى في (لسان العرب ) عن بعض علما اللغة قال : هـذا خـطا فاحش ونوع من التحريف في كلام اللّه تعالى وذلك لانه ورد جمع (الصورة ) في آيات قرآنية اخرى على (صور)على وزن فعل وليس (صور) واذا قرا احد جملة (ونفخ في الصور) (نـفـخ فـي الصور)بفتح الواو فقد آفترى على اللّه وحرف كتابه فكما ان هذا التغسير لا يتوافق مـع الـروايات السالفة الذكر كذلك لا يتوافق مع الايات التي وردت فيها تعابير (صعقة )(وزجرة ) و(ناقور) وغيره.
ولا يـسـتبعد ان يكون هذا ناتجا عن عدم هضم معنى (نفخ في الصور) في حين ان الصور ليس بوقا عاديا وليست النفخة شبيهة بنفخاتن.
وعـلـى اية حال فان التفسير الثاني هو الانسب من بين التفاسير الثلاثة التي قيلت بهذا الصدد , حيث انـه يـنـسجم وسياق ظاهر الايات ولابد لنا من الاعتراف بعجزنا عن اعطا توضيح كامل عن نفخة الصور.
2. تاثير الامواج الصوتية على الانسان وسائر الموجودات :
من المعلوم ان الصوت نوع من الامواج التي تتحرك في الهوا وفي والسوائل او الجمادات والاصوات التي تسمعها اذن الانسان يجب ان لا تقل ذبذباتها عن 20في الثانية ولا تزيد عن 20000 فيها وهناك مـخلوقات تسمع الاصوات التي تزيدذبذباتها عن ذلك ومن بينها طائر الخفاش حيث ان لهذا الحيوان الـقـابـلية على سماع الاصوات التي يبلغ مقدار ذبذباتها 145 الف ذبذبة ((35)) في الثانية , ومن الـمـعروف ان الحيوانات تدرك الهزة الارضية قبل الانسان ولعل السبب في ذلك يعود الى هدالعامل حـيـث انها تسمع الامواج الصوتية المنبعثة منها والتي لايتمكن الانسان من ادراكها كما هو معلوم ان الامـواج الـصوتية الشديدة تسبب احيانا في تدمير كل شي وما تاثير القنابل والمواد المتفجرة على الانـسـان والابنية الا بفعل هذه الامواج الشديدة التي يعبر عنها بـ (امواج الانفجار) فهي قادرة في لحظة واحدة على تحطيم اي مقاومة تواجهها , فتحول الانسان والابنية الى حطام متناثر.على هذا الاساس ليس من العجب ان تكون صيحة القيامة هي السبب في اماتة الناس وجميع المخلوقات وازالة الجبال في مدة قصيرة ويحبذ ان ننقل كلاماللامام علي (7) ورد في نهج البلاغة (وينفخ في الصور فتزهق كل مهجة وتبكم كل لهجة وتذل الشم الشوامج والصم الرواسخ فيصير صلدها سرابا ومعهدهاقاعاسملقا)((36)) .
فـحرى بنا ان ندرك ان هذه الاشيا تخص (نفخة الاماتة ) ومن البديهي ان (نفخة الاحيا) شي آخر فهي صرخة النهوض والحياة والحركة والنشاط.
وتبقى معرفتنا بهذه النفخة وسائر المسائل المتعلقة بيوم القيامة محدودة جد.
3. اجابات حول نفخة الصور :
1 ـ هل ان نفخة الصور تقع مرتين فقط ؟مـن الـمعلوم ان الايات القرآنية تشير الى وجود نفختين (نفخة الاماتة ونفخة الاحيا) وقد لا حظنا ذلك في الايات السالفة الذكر.
ولـكن يستفاد من بعض الروايات ان نفخة الصور تتحقق ثلاث مرات حتى ان بعض الروايات تستدل بـالقرآن على ذلك ولقد نقل في كتاب لالي الاخبار عن المرحوم (الديلمي ) في كتاب ارشاد القلوب هذا الحديث (وله اي ((اسرافيل )) ثلاث نفخات ((نفخة القرع )) و((نفخة الموت )) و ((نفخة الـبـعث ))) فاذا فنيت الدنيا امر اللّه اسرافيل ان يهبط الى الارض وينفخ نفخة الفزع كما قال تعالى (ويوم ينفخ في الصورففزع من في السموات ومن في الارض الا من شا اللّه ) النمل ـ87 وتزلزلت الارض وتـذهل كل مرضعة عما ارضعت وتضع كل ذات حمل حملها ويميد الناس ويقع بعضهم على بعض كانهم سكارى وماهم بساكرى , واما نفخة الاحيا فقال تعالى :(ويوم ينفخ في الصور فصعق من فـي الـسـمـوات ومـن فـي الارض ) الزمر ـ68 كما قال تعالى : (ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون ) الزمر ـ68 ((37)) .
ولـقـد اضاف البعض نفخة رابعة الى هذه النفخات الثلاث وهي نفخة الجمع والحضور والظاهر ان هـذه الـنـفـخـة اخـذت مـن الاية 53 سورة يس (ان كانت الا صيحة واحدة فاذا هم جميع لدينا محضرون ) ولكن في الواقع انها نفس هاتين النفختين اتسعتا وتبدلتا الى اربع نفخات وذلك لان الفزغ الاكـبـر ماهو الا مقدمة لموت الناس الذي يحدث على اثر ادامة واستمرار نفخة الحياة ويمكن ان نـؤكد هذاالمعنى بالرجوع الى الايات 6 ,7 سورة النازعات (يوم ترجف الراجفة # تتبعهاالرادفة ) (تامل ).
2.
من الملك المامور بنفخة الصور :
ورد فـي الاحـاديث الشريفة ان هذا الملك هو اسرافيل ويعتقد البعض ان هذه الكلمة تعني في اللغة الـسريانية (عبداللّه ) ولقد ورد في حديث عن الامام السجاد (7) ان اللّه يامر اسرافيل فيهبط الى الدينا ومعه صور ((38)) .ويـستفاد من بعض الروايات ان اسرافيل هو اقرب الملائكة للّه ((39)) وهو اول من سجد لادم من الملائكة ((40)) .
ومـا كـون نـفـخـة الموت والحياة بيده الا دليلا على عظمة منزلة هذا الملك ويستفاد من الرواية الواردة عن الامام السجاد (7) ان نفخة الموت تكون من قبل اسرافيل وبعدها يقول اللّه لاسرافيل : مت فيموت اسرافيل وتنفخ نفخة الحياة من قبل الخالق نفسه تبارك وتعالى ((41)) .
3.
ما الفاصلة بين النفختين :
يستفاد من آيات القرآن الكريم بشكل عام ان هناك فاصلة زمنية بين نفختي الاماتة والاحيا وان تعبير (ثـم ) الـذي ورد فـي الاية 68 الزمر يؤكد هذا المعنى ولكن ورد في بعض الروايات ان امد هذه الفاصلة اي (ان مابين النفختين اربعون سنة ) اي ولا احد يعلم هل ان هذه السنين من سني الدنيا ام من سني وايام الاخرة التي يعادل كل يوم منها خمسين الف سنة .وعـلـى اية حال ان هناك حوادث عظيمة تقع مابين النفختين يتشكل خلالها عالم جديد وحياة جديدة لـلناس , ولم يبق في هذه الفترة اي مخلوق حي في العالم باسره الا وجه اللّه الحي القيوم واما ما جا فـي الايـتـيـن 68 الزمر 87 النمل اللتين ذكرتا جملة (الا ماشا اللّه ) لا يعني ان هؤلا لا يشملهم الـمـوت بـل ان مـوتـهـم مـوكول الى زمان لاحق اي ان اجلهم يتاخر والشاهد على ذلك جملة (كل نـفس ذائقة الموت ) آل عمران ـ185 ((42)) حيث وردت اليها في ثلاث آيات من القرآن الكريم والـجـديـربـالـذكـر هـنـا ان (الـنـفس ) مفهوم واسع يشمل جميع الموجودات الحية اما من هم الـذيـن اسـتثنتهم الاية فقد ذكر المفسرون احتمالات عديدة في ذلك فقال البعض انهم مجموعة من مـلائكـة اللّه المقربين امثال (اسرافيل وجبرائيل وميكائيل وعزرائيل )ولقد اضاف بعضهم جملة العرش وقيل ارواح الشهدا (في الابدان المثالية ) وقيل :خزنة الجنة ومالكو النار.
ويستفاد من رواية الامام السجاد (7) ان جميع الكائنات تموت عندالصيحة الاولى ماعدا اسرافيل الذي ينفخ في الصور ثم يموت بعد ذلك بامر اللّه تعالى .
4.
فلسفة نفخة الصور؟
اذا كـانـت حـقـيقة نفخة الصور غير واضحة لنا بشكل تام , فلم تكن فلسفته التربوية خافية علينا والمهم لنا هو الاثار التربوية لهذه العقائد الحقة .فنفخة الصور تبين لنا :
1 ـ امـاتـة واحـيا جميع المخلوقات ليست حالة عسيرة على اللّه تبارك وتعالى فهو تعالى قادر على امـاتـة جميع الخلائق باسرها بصيحة واحدة تصعقهاجميعا , وكذلك هو قادر على ان يحيي جميع الـخلائق بيصحة عظيمة اخرى وكان المخلوقات كانت في سبات فتبعث هذه الصيحة على ايقاظهم مـن نـومـهـم الـعـمـيـق وهـذا جـواب لـمـن يـشك في المعاد او لمن يعتقد بان المعاد من الامور المستحيلة الوقوع كما كانوا يسالون رسول اللّه (9) مرار.
2 ـ نفخة الصور انذار لجميع الناس بعدم الركون الى الدنيا والاطمئان اليهالكي لايقعوا في الغرور والـغفلة وان يؤمنوا بان صيحة القيامة ونفخة الموت ممكنة الوقوع في كل حين وانهم سائرون الى ديار العدم الى الموت الذي يطوي جميع آمالهم وامانيهم .
3 ـ تـعـتبر نفخة الصور وايعازها بنهاية هذا العالم وبداية عالم آخر من الدروس التربوية العميقة لـلـنـاس فالايمان بذلك يجعلهم متهيئون لاستقبال مثل هذه الحادثة العظيمة واذا آمنوا بذلك فانهم لن يـتـواكـلـوا بتاخير الاعمال الى الغد فليس هناك تاريخ معين لوقوع هذه الحادثة المابغتة فهي التي تشرع بلا مقدمات .
ونـذكر حديثا للامام السجاد (7) في هذا المعنى ينقله الراوي بعد شرح موجز حول نفخة الصور فيقول : عندما يصل الامام (7) الى هنا (رايت علي بن الحسين يبكي عند ذلك بكا شديدا) (فالامام في غـايـة الـوجـل مـن مسالة النهاية المابغتة للدنيا وحلول الاخرة والحضور امام اللّه تبارك وتعالى ) ((43)) .
3. كتاب الاعمال :
مـلاحظة : نجد في كثير من الايات القرآنية بحوثا واسعة حول كتاب الاعمال (صحف الاعمال ) قد ذكـرتـهـا بـتعابير مختلفة فقد ورد في اكثر الايات تعبير (الكتاب )الذي يحمل مفهوما واسعا فهو يشمل الصحيفة ويشمل الكتاب ايض.ولقد ورد في البعض الاخر تعبير (زبر) جمع (زبور) وهذا التعبير له مفهوم قريب من الكتاب .
وكـذلك ورد في البعض الاخر منها تعبير (طائر) وهو الطير الذي كان العرب يتفالون به وكانوا يعتقدون بان مصيرهم مرتبط به فيقول القرآن لهم ان طائرالخير والشر هو نفس صحيفة اعمالكم وردت فـي بـعـض الايـات اشـارت الـى كلام كتاب صحف الاعمال وعبرت عنهم بتعابير مختلفة كالرقيب والعتيد او رسل اللّه او(كراما) (متلقيان ) وكل واحد منهم مامور بعمل خاص (تامل ).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق